روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
233
عرائس البيان في حقائق القرآن
الْمُلْكُ الْيَوْمَ ، فلم يجسر أحد على الإجابة ، وما كان بتحقيق أن يجيب سؤاله سواه ، فلما سكنت الألسن عن الجواب أجاب نفسه بما كان يستحق من الجواب ؛ فقال : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . وقال ابن عطاء في قوله : الْيَوْمَ تُجْزى : من طالع من نفسه أفعاله وأذكاره وطاعته جزي على ذلك ، ولا ظلم عليه فيه ، ومن طالع فضله ومنه أسقط عن درجة الجزاء على مقام الأفضال والرحمة بقوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) [ يونس : 58 ] . وقال أبو بكر بن طاهر : يريك جزاء كسبك ، وما تستحق بذلك ، لترى بعد ذلك محل الفضل والكرم . قوله تعالى : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ وصف اللّه خيانة العيون وخفايا الصدور ، وقال : لا يخفى عليّ منها شيء ، وذلك أن العين باب من أبواب القلب ، فإذا رأت العين شيئا يكون حظ القلب منه ، يعلم ذلك نفسه فيطلب الحظ منه ، ومن القلب إلى العين باب يجري عليها حركة هواجس النفس تحثها على النظر إلى شيء فيه لها نصيب ، فإذا تحققت ذلك علمت أن خيانة العين متعلقة بما تخفي الصدور ، وإذا كان العارف عارفا بنفسه ويروضها برياضات طويلة ، ويقدسها بمجاهدات كثيرة ، ويزمها بزمام الخوف ، وآداب الشريعة ، صارت صافية من حظوظها ، فبقيت في سرها جلتها على الشهوات ، ففي كل لحظة يجرى في سرها طلب حظوظها ، ولكنها سترتها على العقل وأخفتها ، عن الروح من خوفهما ، فإذا وجدت الفرصة خرجت إلى روزنة العين ، فتنظر إلى مرادها ، وتسرق حظها من النظر إلى المحارم ، وذلك النظر خفي ، وتلك الشهوة خفية ، وصفهما اللّه سبحانه في هذه الآية ، واستعاذ منها النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « أعوذ بك من الشهوة الخفية » « 1 » . وقال أبو حفص النيسابوري : زنا العارف نظره بالشهوة ، وافهم واسمع حقيقة ذلك أن الروح العاشقة إذا احتجبت عن مشاهدة جمال الأزل تنقبض وتطلب حظها ، ولا تقدر أن تنظر إلى ، الحق فتطلب ذلك من صورة الإنسانية التي فيها آثار الروحانية ، فتنظر من منظره إلى منظر العقل ، ومن منظر العقل إلى منظر القلب ، ومن منظر القلب إلى منظر النفس ، ومن منظر النفس إلى منظر الصورة ، وتنظر من العين إلى جمال المستحسنات ، لينكشف لها ما يستر
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 125 ) .